السيد محمدحسين الطباطبائي ( تلخيص إلياس الكلانتري )

389

مختصر الميزان في تفسير القرآن

بتنبيههم بما هم عليه من دقة الموقف لمواجهتهم أعداء كاليهود والنصارى والمشركين وقد جمعوا جمعهم وعزموا عزمهم على إطفاء نور اللّه تعالى بأيديهم وبأفواههم . ويشبه أن تكون هذه السورة نازلة دفعة واحدة ، فإن آياتها - وهي مائتا آية - ظاهرة الاتساق والانتظام من أولها إلى آخرها ، متناسبة آياتها ، مرتبطة أغراضها . ولذلك كان مما يترجح في النظر أن تكون السورة إنما نزلت على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وقد استقر له الأمر بعض الاستقرار ولما يتم استقراره ، فإن فيها ذكر غزوة أحد ، وفيها ذكر المباهلة مع نصارى نجران ، وذكرا من أمر اليهود ، وحثا على المشركين ، ودعوة إلى الصبر والمصابرة والمرابطة ، وجميع ذلك يؤيد أن السورة نزلت أيام كان المسلمون مبتلين بالدفاع عن حمى الدين بعامة قواهم وجميع أركانهم ، فمن جانب كانوا يقاومون الفشل والفتور الذين يدبان في داخل جماعتهم بفتنة اليهود والنصارى ، ويحاجونهم ويجاوبونهم ، ومن جانب كانوا يقاتلون المشركين ، ويعيشون في حال الحرب وانسلاب الأمن ، فقد كان الاسلام في هذه الأيام قد انتشر صيته فثارت الدنيا عليه من اليهود والنصارى ومشركي العرب ، ووراء ذلك الروم والعجم وغيرهم . واللّه سبحانه يذكر المؤمنين في هذه السورة من حقائق دينه الذي هداهم به ما يطيب به نفوسهم ، ويزول به رين الشبهات والوساوس الشيطانية وتسويلات أهل الكتاب عن قلوبهم ، ويبين لهم : أن اللّه سبحانه لم يغفل عن تدبير ملكه ، ولم يعجزه خلقه ، وإنما اختار دينه وهدى جمعا من عباده اليه على طريقة العادة الجارية ، والسنة الدائمة ، وهي سنة العلل والأسباب ، فالمؤمن والكافر جاريان على سنة الأسباب ، فيوم للكافر ويوم للمؤمن ، فالدار دار الامتحان ، واليوم يوم العمل ، والجزاء غدا . قوله تعالى : اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ، قد مرّ الكلام فيه في تفسير آية الكرسي ، وتحصل من هناك أن المراد به بيان قيامه تعالى أتم القيام على أمر الإيجاد والتدبير ،